القرطبي

334

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم ) " شهيدا " مفعول ، أي كفى الله شهيدا ، أو تمييز ، أي اكتف به شهيدا بيننا وبينكم إن كنا أمرناكم بهذا أو رضيناه منكم . ( إن كنا ) أي ما كنا ( عن عبادتكم لغافلين ) إلا غافلين لا نسمع ولا نبصر ولا نعقل ، لأنا كنا جمادا لا روح فينا . قوله تعالى : هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت ورودا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون ( 30 ) قوله تعالى : ( هنالك ) في موضع نصب على الظرف . ( تبلوا ) أي في ذلك الوقت . " تبلو " أي تذوق . وقال الكلبي : تعلم . مجاهد : تختبر . ( كل نفس ما أسلفت ) أي جزاء ما عملت وقدمت . وقيل : تسلم ، أي تسلم ما عليها من الحقوق إلى أربابها بغير اختيارها . وقرأ حمزة والكسائي " تتلو " أي تقرأ كل نفس كتابها الذي كتب عليها . وقيل : " تتلو " تتبع ، أي تتبع كل نفس ما قدمت في الدنيا ، قاله السدي . ومنه قول الشاعر : إن المريب يتبع المريبا * كما رأيت الذيب يتلو الذيبا قوله تعالى : ( وردوا إلى الله مولاهم الحق ) بالخفض على البدل أو الصفة . ويجوز نصب الحق من ثلاث جهات ، يكون التقدير : وردوا حقا ، ثم جئ بالألف واللام . ويجوز أن يكون التقدير : مولاهم حقا لا ما يعبدون من دونه . والوجه الثالث أن يكون مدحا ، أي أعني الحق . ويجوز أن يرفع " الحق " ، ويكون المعنى مولاهم الحق - على الابتداء والخبر والقطع مما قبل - لا ما يشركون من دونه . ووصف نفسه سبحانه بالحق لان الحق منه كما وصف نفسه بالعدل لان العدل منه ، أي كل عدل وحق فمن قبله ، وقال ابن عباس : " مولاهم بالحق " أي الذي يجازيهم بالحق . ( وضل عنهم ) أي بطل . ( ما كانوا يفترون ) " يفترون " في موضع رفع وهو بمعنى المصدر ، أي افتراؤهم . فإن قيل : كيف قال " وردوا إلى الله مولاهم الحق " وقد أخبر بأن الكافرين لا مولى لهم . قيل : ليس بمولاهم في النصرة والمعونة وهو مولى لهم في الرزق وإدرار النعم .